كثيرون منا بل قد لا أكون كاذبا إن قلت بأن أغلبنا يضع في ذهنه صورة للمسرح -حين يسمع تلك الكلمة أو يقرؤها- تنحصر في إطار ما يشاهده في التليفزيون من مسرحيات عادل إمام أو سمير غانم أو محمد نجم ، بل أغلبنا تتساوى في أذهانهم كلمة مسرح مع كلمة ضحك أو كوميديا ؛ لذا دعونا نصارحكم بأنكم لا تعلمون عن حقيقة المسرح إلا بمقدار قطرة في بحر .
ولنكن صرحاء منذ البداية فإن هذه مشكلة متأصلة - للأسف الشديد - في مجتمعنا المصري و العربي كذلك ، نستطيع تسميتها بــ " قلة الوعي الثقافي المسرحي " فعلى الرغم من مقدار الثقافة أو الدرجة العلمية التي قد يتمتع بها كثيرون إلا أنهم قد يفتقرون إلى الثقافة المسرحية أو معرفة أهمية المسرح في حياة المجتمعات ؛
لذلك فإن وزارات الثقافة عندنا تنفق كل عام ملايين وملايين على النشاط المسرحي من خلال قصور وبيوت الثقافة وعروض المسرح القومي والمهرجانات المسرحية لا يستفيد منها - للأسف الشديد - أيضا إلا أقل القليل .
ما هو ذلك المسرح الذي تعطيه كل هذه الأهمية ؟ سؤال من المؤكد أن كلا منكم يطرحه داخل عقله الآن ..
المسرح يا أعزائي ليس فنا عاديا مثله مثل أي فن ، وإنما هو " أبو الفنون " فالمسرح يحتوى داخل عباءته فنون الكتابة ، والتمثيل ، والرسم ، والرقص والغناء وغيرها كثير ، تتجمع كلها لتنصهر في بوتقة واحدة كي تصنع لنا عرضا مسرحيا .
ولأن المتعارف عليه بأن الفن مرآة المجتمع ؛ حيث تستطيع أن تعرف تاريخ الأمم والشعوب والمراحل الاجتماعية المختلفة التي يمر بها مجتمع ما من خلال دراسة أدبه وإنتاجه الفني فى تلك الفترات أو المراحل ، وإذا كان ذلك كذلك ؛ فيمكن الادعاء بأن المسرح من أكثر الفنون العاكسة لأحوال المجتمعات بما يتميز به من مزايا تجعله متفردا عن غيره من الفنون .
و لعلى لا أذيع سرا إن قلت بأن أكثر الأمور التي جعلتني أهوى هذا الفن هو ما يوفره لي من حرية في قول ما أريد قوله ، والتعبير عما أشعر به من أحاسيس تتصارع داخلي من خلال نص مؤلف وشخصية متخيلة وأنا أقف على خشبة مستطيبة ..
إذا أحسست يوما بالقهر وأردت الصراخ فإنك لن تستطيع أن تفعلها ، أن تصرخ بقدر ما تستطيع متناسيا الناس من حولك ؛ كي لا تعتبر شاذا أو تتهم بالجنون ، ولكنك إذا صعدت على تلك الخشبة تستطيع أن تصرخ وتصرخ وأن تفرغ ما تشعر به من طاقة ، أمام جمهرة من البشر الجالسين على مقاعدهم ، ولكنك هنا تعتبر فنانا عظيما صادق الشعور وتسمع التصفيق الحاد دلالة على براعتك وتقدير الناس لك ، إذا أردت أن تبكى بحرقة دون خجل تستطيع أن تبكى على المسرح ، إذا أردت أن تضحك بقوة وحرية تستطيع أن تضحك فوق خشبة المسرح ، إذا أردت أن تسخر مما يدور حولك أو تنقد شيئا لا يعجبك أو تبعث برسالة إلى الناس كي تريح ضميرك ، فإنك تستطيع أن تفعل كل ذلك فوق خشبة المسرح ، ثم تلاقى التقدير والإعجاب .